مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
161
الواضح في علوم القرآن
ما يصل إليه البحث الإنساني - أيا كانت الأدوات المتاحة له - فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة ، وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها ، فمن الخطأ المنهجي - بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته - أن نعلل الحقائق القرآنية النهائية بحقائق غير نهائية ، وهي كل ما يصل إليه العلم البشري ، وإذا كان هذا بالنسبة للحقائق ، فما بالك بالنسبة للنظريات ؟ . وبعد هذه الإشارة يمكننا القول : إن الإعجاز العلمي في القرآن يتجلى بالمظاهر التالية : أ - حثه على التفكير : إن المظهر الأول للإعجاز العلمي في القرآن إنما هو حثه الإنسان على التفكير ، وتسريح النظر في آفاق هذا الكون ، وإجالة العقل لاستكناه حقائقه وأسراره . فالقرآن لا يشل حركة العقل وتفكيره ، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، وليس ثمة كتاب من كتب الأديان السابقة يكفل هذا بمثل ما يكفله القرآن . وليس أدل على هذا المظهر من أن القرآن يجعل التفكير السديد ، والنظر الصائب في الكون وما فيه ، أعظم وسيلة من وسائل الإيمان باللّه تعالى : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 20 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 20 - 21 ] . سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ فصلت : 53 ] . ب - انسجامه مع الحقائق العلمية وتكريم العلم : ومن مظاهر الإعجاز العلمي في القرآن ذاك التوافق التام بين الحقائق العلمية الثابتة ، وبين آيات القرآن ومبادئه العامة ، فأية مسألة من مسائل العلم ، أو قاعدة من قواعده - يثبت رسوخها ويتبين يقينها - تكون محققة لما حث عليه القرآن من تفكير سليم ، ولا تتعارض معه بحال من الأحوال . وهذه العلوم قد تقدمت وكثرت مسائلها وتنوعت وسائلها ،